تجاذبات
وجها لوجه مع الحقائق المتناقضة
.
.

نقاش مع شيوعي عراقي

 
 
غير منشور
خاص بمفهوم  
د. محمد نعمة فقيه (باحث لبناني - رئيس تحرير مجلة البلاد سابقا)

نقاش مع السيد رائد فهمي

عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي

على خلفية رده على رسالة  السيد فيصل جلول للامين العام لحزب الله المنشورة في "النهار"

 

بقلم: الدكتور محمد نعمة فقيه*

 

أرى من المفيد تهنئتكم بداية على نجاح مساعيكم ونضالكم الدؤوب لعدة عقود للتخلص من الحكم الاستبدادي في العراق، فعدتم الى العراق بعد سنوات الشتات في فنادق ومنتجعات  العالم، تجترحون الحلول للحلول محل الطاغية "الأخير" في هذا العصر، وهو أمر ما كان بالوسع ان يحصل لو لم يتسنّ للادارات الاميركية المتعاقبة ان تحقق ما حققته من نجاحات على امتداد القرن العشرين، فأسفرت سياساتها الدولية عن تدمير النظام الاستبدادي الأم ، النظام السوفياتي ، وحوّلت العالم بأسره الى مزرعة خاصة بها ليسرح ويمرح الكاوبوي الاميركي كيفما يشاء، فيحدد التخوم ويسن القوانين والشرائع التي تلبي احتياجاته وترضي شهوته الجامحة لتأكيد تفوقه وعتوِّه. وتمكنتم بفضل حذلقتكم، التي لابدّ الاّ أن نشهد لكم بها، من التأكيد على ان الخيانة "وجهة نظر" على الآخرين إحترامها وتقديرها تماماً كما نحن نفعل في ردنا هذا.                            

 

لا شك ان كل قومٍ بما لديهم فرحون، فترانا في لبنان فرحين بطرد الإحتلال من أرضنا بطريقة أسَّست لكسر كافة معيقات تطوير أدوات تعميق الإستبداد، ونراكم فرحين باستقدام قوات الإحتلال للتأسيس لمرحلة يتأبّد فيها الإستبداد بمحتلف وجوهه. فسبق ان سمعنا من المعارضات العراقية على مختلف ألوانها ومشاربها آيات التهنئة والتبريك، فما علينا سوى ان نهنئكم بدورنا مع كل البون الشاسع بين الحدثين. وهو ما لا نشك بأنكم تلحظونه بشكل واضح.

 

 قد يكون اهل مكة ادرى بشعابها ، هذا اذا كان الامر يقتصر على مكة، أما وإن الأمر الذي نحن بصدده يتجاوز بتأثيراته الحيّز الجيوسياسي الضيق الذي يبدو انه يحرك ضمن أطره، اي العراق، ليشمل ليس دول المنطقة برمتها وحسب، بل وايضا ليطال البنية الكلية للسياسة الاميركية في العالم، اي ما أشرت اليه جنابك بان العراق اضحى "حلقة اساسية في مجمل الاستراتيجية الكونية والاقليمية الاميركية، وانهزامها فيه سوف يهزّ مكانتها الدولية"، وهذا ما يجعلني اعتقد انك توافقني الرأي بأن المشروع الاميركي في العراق أبعد مدى وأوسع افقاً مما يبدو للكثيرين، وبالتالي، فلنا الحق، مهما استبدت بنا مفاهيم التجزئة وتداعياتها، ان نقول رأينا كمعنيين بالأمر مباشرة، وليس كمترفين، فإن الدم المباح في العراق دمنا، والكرامات المنتهكة فيه كرامتنا، أأدركنا ذلك أم لم ندرك.                                                

 

انا لست من الذين يعلّقون الكثير من الآمال على المقاومة العراقية الراهنة، والقول بأنها قادرة بأمكاناتها، واعتمادا على منطلقاتها ونصها السياسي والتعبوي، ان تخلق المناخ الملائم لدحر قوات الاحتلال وبناء الدولة المثلى، اذا كان بالإمكان إقامة مثل هذه الدولة في مكان وزمان ما، وذلك لسببين اثنين، وليس لسبب واحد وهو خوف الولايات المتحدة "على مكانتها الدولية من الاهتزاز" كما اشرت جنابك، بل وايضا لوجود نخب وفعاليات ناشطة في وسط الشعب العراقي تختزن رغبة جامحة لسلطة تمارسها ترى بالوسع تلبيتها مع وجود الاميركيين ومن ضمن برنامجهم "العراقي"، فنجد هذه الرغبة تدغدغ خيالهم وتجعلهم يتنكرون لبديهيات الواجب الوطني، وينقلبون حتى على شعاراتهم، التي كانت ثورية في يومٍ من الايام، والتي جعلهم النظام الاستبدادي  المخلوع مطاردين ومضطهدين على اساسها.                                                           

 

أعتقد بأنك قرأت "الثامن عشر من برومير" لكارل ماركس عندما يشير الى ان التاريخ قد يعيد نفسه، فيظهر في المرة الاولى كمأساة، اما في الثانية كمهزلة. وحتى لاتفهمني خطأً، فانا لست ماركسياً، مع العلم اني كنت أعتقد نفسي كذلك لسنوات طويلة، الا ان الشيء بالشيءيذكر.                                 

 

الحدث بمظهره الاول الذي اشار اليه ماركس كان مع نابليون بونابرت في فرنسا واوروبا، وما اريد الاشارة اليه ايضا نتج مع نابليون بونابرت نفسه، وانما في مصر، اواخر القرن الثامن عشر، عندما جاءت جيوشه لتغزو مصر وبلاد الشام وهي ترفع شعار تخليص الناس من الاستبداد العثماني، حيث ادعى نابليون نفسه في رسالته الشهيرة لاهل مصر بأنه مسلم مثلهم وبانه هاجم كرسي البابوية المسيحية في روما ودمرها قبل ان يأتي اليهم ناصراً ومحرراً لهم من جور وعسف الاتراك والمماليك. وما يتعمد تغييبه الكثير من المؤرخين حول تلك الفترة هو التنسيق الذي كان قائماً فيما بين نابليون بونابرت والحركة الوهابية وآل سعود في الجزيرة العربية، حيث كان لنابليون موفد مقيم لديهم في عاصمتهم آنئذ "الدرعية" ودخل معهم على رأس القوات التي غزت مكة والمدينة وكامل الحجاز، في الفترة نفسها التي كانت قوات نابليون تتوغل في البر المصري، وشاركهم في الهجوم على بلاد الشام حيث وصلت غزواتهم الى تخوم حلب، في الوقت الذي كانت قوات نابليون تحاصر عكا بداية القرن التاسع عشر.  وهذا الموفد الذي اخذ لنفسه اسماً اسلامياً هو "علي بيه العباسي" ليس سوى دومينغو اي ليبلخ الاسباني الاصل ومستشار جوزيف بونابرت شقيق نابليون، وقد وصفه امين الريحاني متهكماً قائلاً: "الامير المكرم والعالم المحترم والحاج الورع الموقر، رسول بونابرت الى البلاد العربية ."

 

المشهد يكاد يكتمل مع وفود العلماء والنخب السياسية التي اخذت تتحلّق حول نابليون وتتأطر ضمن مشروعه ليس فقط في مصر، بل وايضا في بلاد الشام: نخب مثقفة دينية وغير دينية، إسلامية وغير إسلامية، نخب سياسية سلطوية رأت ان تعزز مواقعها بالتحالف معه، او مبعدة عن السلطة رأت فيه الأمل في استعادة دور لها، وفئات اخرى كانت تغرد خارج السرب، وُصِفَ تغريدها بالنعيق ومحاباة السلطان العثماني .

 

لا يدّعي احدٌ بأن المقاومة المصرية لجيوش نابليون هي التي أخرجته من مصر، على الرغم من أهمية تلك المقاومة الايجابية منها والسلبية. وعلى الرغم من ان مشروع نابليون الشخصي قد اندحر، بانهزام جيوشه اولاُ امام أسوار عكا وثانياً أمام التوازنات الدولية التي لم تكن لصالحه، فخرجت جيوشه من مصر تجرّ اذيال الخيبة عسكرياً وسياسياً، إنما العنوان الرئيسي لذلك المشروع، الا وهو "زرع نبتات الغرب" و خلق الظروف الملائمة للاستتباع والاخضاع الثقافي والاقتصادي، فقد نجحت واستمرت تورق وتزهر وتمدّ جذورها في تربة يتمّ إرواؤها باستمرار من معين لاينضب، ليس فقط حيث وطأت أقدام جيوشه، وإنما تجاوزت الحدود وشملت أرجاءً واسعة من المحيط العربي. وما الذي نشهده من إستلاب بثقافة الغرب، ومن شعور بالدونية إزاءها، ومن تبريرٍ لإستعلائية الغرب تجاهنا، الاّ تعبيراً مستفحلاً عن هذا النجاح.

 

لك ان تكون اميناً على ماركسيتك، وتصرُّ على ان "النهضة" العربية بدأت مع احتلال نابليون لمصر، وان تدمير كل ماهو قديم يساعد على بناء الجديد، وإن الأقلّ تطوراً عليه ان يخضع وينصاع للأكثر تطوراً، ويمكنك ان تغالي وتكون حتى زرادشتياً وتقول ان الحياة للأقوياء فقط، وأن تتبنّى مفهوماً للقوة يعتبرها محصورة بقوة الحديد والنار وليس في الإرادات والأنفس، ولكن الا تعتقد ان الامور تجري دائما حول حياتنا وماضينا ومستقبلنا، نكون نحن الهدف والوسيلة، ولكننا غالباً ما نأخذ موقعاً هامشياً إزاء الفعل، أي يكون فعلنا تلبية لرغبات الفاعل ومشيئته ومصالحه؟ نصفق او نلطم تبعاً لاحتياجاته؟ قد نساعد في تدمير القديم،  ولكن لن يكون لنا أن نبني الجديد بما يتلاءم مع مصالحنا ورغباتنا، الا اذا كانت ترجمة لمصالح ورغبات الفاعل فينا؟ فالجديد الذي ينبني لن يكون جديدنا ولن يأخذ اهدافنا ومصالحنا بالإعتبار طالما نحن خارج المعادلات الفاعلة ولسنا سوى الصّدى الذي يريده الفاعل المستبدّ.

 

لك انت ان تكون ما ترى انه يجب عليك ان تكون عليه، ولي انا ان ارى في "عصر النهضة" العربية المزعوم، فأقول انه نقل العرب من الانحطاط الى الانحلال، تبعاً لما أحدثه من قطع حضاري بين حاضرهم وماضيهم، فأغرقهم في حاضر ليس حاضرهم الخاص، ولايمكن ان يكون حاضرهم ، ومنع ما بينهم وبين امكانيات تطوير حاضرهم الخاص والتخلص من عوامل الانحطاط والتخلف والتعسف والاستبداد، بادواتهم الخاصة، وفي سبيل تحقيق اهدافهم الخاصة التي تلخّص رؤيتهم الخاصة للحياة والكون.

 

ان التاريخ الذي اعتبرناه يعيد نفسه، فتمظهر بمظهر مأساوي مع تحلُّق النخب الثقافية والقوى السياسية حول نابليون ومشروعه وانتج "عصر النهضة" المزعوم، ها هو مع حملة بوش يعود ليظهر ثانية، وإنما كمهزلة.

 

المظهر الهزلي يتجلّى في كوننا لا نتعلم حتى من تجاربنا، ان الحدث يؤلمنا ويدمينا ويبكينا حتى الضحك على انفسنا من فرط الغباء. نكون على ثقة بأن الذئب قادم لافتراسنا فلا نكلّف انفسنا حتى مشقة الهرب من بين فكيه، ولا تتحرك فينا غريزة البقاء، فنذهب في نقاشات حول الكيفية التي سيلتهمنا بها، وفي اي تجويف من معدته سوف يأوينا، وكم سيتكبد من عناء وهو يهضم عظامنا، وهل انه سيستسيغ طعمنا أم لا. ومن ثم يبدأ التداول بين "النخب" حول مرحلة "مابعد الإفتراس والهضم" فينقسم الجمع ما بين هضم يسير او عسير!

 

هذا الواقع هو ما أنتجه "عصر النهضة"، فأخبلنا  وأفقدنا هويتنا الحضارية، ومن فقد انتماءه الحضاري والبعد الانساني لهذا الانتماء، لايظن احد بأنه سيستطيع ان يتقمّص حضارة غيره وإنْ تَجَلْبَبَ بها، ولن تكون لديه الحوافز لأن يكون بطلاً، في وقتٍ لايمكن ان تقوم فيه قائمة لأمة يتربّص بها الأعداء من كل حدبٍ وصوب من دون بطولات، فليس لدى المتجلبب بجلباب غيره ما يعتبره يستحق الدفاع عنه، و هو حكماً لن يقف بوجه الذئب، بل سيمدّه بكل وسائل العون والمساعدة حتى يرى الذئب فيه ما يرى.

 

يعيب السيد رائد فهمي في رده على السيد فيصل جلول، ان الأخير ارتكز في تحليله للوضع العراقي على مرتكزات خاطئة أدّت بنظره الى استنتاجات خاطئة. و المرتكزات التي يعيبها السيد فهمي على السيد جلول هي في اعتباره لمسألة مقاومة الاحتلال بأنها الحلقة المركزية في التناقض القائم على الساحة، وان هذا التناقض هو الذي يحكم التحليل السياسي والتحالفات العريضة، وعلى أساسه يتم بناء الجبهة الوطنية التي تأخذ على عاتقها مهام طرد قوات الاحتلال. فيكتفي عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي بالقول ان هذا التحليل خاطىء ادى الى استنتاجات خاطئة. ومعتبراً انه يكفي القول بوجود تعارضات وتشابكات متداخلة في الواقع العراقي وان القسم الاكبر من الشعب العراقي، بما في ذلك قسم كبير من مؤسسات النظام والحزب الحاكم، لم يواجه قوات الاحتلال ووقف موقف المراقب السلبي من الحرب بانتظار التطورات، يكفي، هذا الوصف، لتبرير ادعائه بأن اعتبار السيد جلول للتناقض مع قوات الاحتلال كتناقض رئيسي استنتاجا خاطئا!

 

لم يتسنّ لي عبر الزمان والمكان، الإطّلاع على تجربة كان فيها الشعب الأعزل هو من عليه ان يتولى مواجهة قوات ضارية تسعى الى احتلال بلاده، بل ان هذه المفردة يستخدمها الجميع، في طرفي الصراع، على قدم المساواة، فكلٌّ يدّعي أنه يسعى الى ما فيه مصلحة الشعب وان الشعب يقف مؤيداً له في مسعاه، والشعب لا يجنح الى اتخاذ المبادرة للمقاومة، الاّ بعد ان تتساقط القوى التي تدّعي أنها القيادات والطلائع الشعبية، فيفرز الشعب، وعبر أشكال المقاومة المختلفة والمتعددة المستويات، طلائعه وقياداته الجديدة، وفي خضم الصراع الذي تخوضه هذه القيادات والطلائع لبلورة الجهاز المقاوم، تتمكن من كَنْسِ كل اولئك المتقاعسين الذين استهابوا الوقوف وقفة عزّ بوجه أعدائهم الذين يستبيحون أوطانهم.

 

 أمّا أن يأتي ممثل لحزب يُفترض انه حزب طليعي وقيادي ليقول بانه وقف مع الاحتلال لأن الشعب وقف موقفاً سلبياً من مقاومة الاحتلال خلال الحرب، فاني ارى في ذلك سابقة تسجل على الشيوعيين العراقيين وعلى كل من يقول قولهم الى أية ملّة مالوا ولأي وجهة اتجهوا.

 

ويتابع السيد رائد فهمي توصيفه للواقع "المعقّد والشديد التشابك" الذي نتج عن سقوط النظام الديكتاتوري ونجاح قوات الاحتلال في تدمير وخلخلة الواقع السياسي والاقتصادي، فيحمّل كليهما مسوؤلية الخراب وغياب البرنامج السياسي. فمسؤولية النظام السابق نجمت عن هروبه من المواجهة، ومسؤولية قوات الاحتلال ناجمة عن مساعٍ وجهودٍ يقول انها بذلتها على امتداد عشر سنوات لمنع اقتران سقوط النظام مع بلورة بديل يحمل مشروعاً سياسياً او شخصية يتحقق حولها الاجماع وتجسد المصالح الوطنية والمشروع الوطني البديل.

 

هل هناك ما يثير العجب أكثر من ذلك؟ هل كان يتوقع القائد الطليعي من قوات الاحتلال أن تكون على غير ما هي عليه؟ هل  كان يتوقع من قوات الاحتلال ان تبني له السطة الوطنية وتفصّلها على مقاسه او مقاس غيره ممن تتوفّر فيه الشروط التي بوسعها ان "تحقق الإجماع" حولها و "تجسّد المصالح الوطنية" وان تحافظ لهم على ممتلكات الدولة وبنيتها الاقتصادية وتقول لهم تفضلوا ابنوا عراق الغد السيد الحر المستقل؟ وهل ان "المشروع الوطني البديل"،  الذي يتحدّث عنه السيد رائد فهمي، بديلاً فقط عن النظام السابق، أم أنه أيضاً بديلاً عن المشروع السياسي الذي تحمله قوات الاحتلال معها؟ أو انه يفترض بأن قوات الإحتلال إنما جاءت الى العراق وهي تعمل ضمن أطرٍ على العراقيين أن يحددونها ويختارونها بما  يضمن لهم حريتهم وتحقيق تطلعاتهم الوطنية؟

 

لقد حاول أحدهم في لبنان، وهو بشير الجميل، الايحاء بأنه "تشاطر" على الاسرائيليين، وبأنه وظفهم لخدمة مشروعه في التخلص من النفوذ الفلسطيني في لبنان، وعندما تحقق له ذلك، سعى الى إقامة تحالفات دولية تخفف عن كاهله الضغط الاسرائيلي، فما كان من  اسرائيل إلاّ ان أطاحت به وبمشروعه، على الرغم من ان الظروف الدولية كانت عام1982 مغايرة كلياً لما عليه الآن، وتلائم من يرغب اللعب على التناقضات. ولكن بالرغم من ذلك، فان لعبة كهذه لم يكن بالامكان ان تمر. هذا مع العلم أن بشير الجميل كان يملك واقعاً داعماً له على الارض، و أن العصبية التي بناها حول شخصه ومشروعه، عصبية اصلية وفاعلة، ولكنها تبقى أضعف بما لايقاس من قوة الاحتلال.

 

يقول السيد رائد فهمي، في معرض ردّه، ان المشروع الوطني غاية وليس حقيقة قائمة وانه مازال موضع حوار وصراع . نحن لن ندخل معه هنا في نقاشٍ حول تحديد المسؤولية عن استمرار غياب المشروع السياسي حتى الآن، و لا حول سلم الأولويات الذي يتكلمون عنه عندما كانوا في فنادق ومنتجعات بريطانيا والولايات المتحدة، ولكن ما نودّ معرفته هنا هو إن كان بإمكانه أن يشرح لنا كيف يمكن أن يقوم المشروع الوطني الجامع في بلد يرزح تحت نير إحتلالٍ قَدِموا به على رؤوسهم، من دون ان يكون هذا المشروع قائماً على قاعدة المقاومة؟ هل بالوسع عندئذٍ أن يكون هذا المشروع الوطني الجامع مشروعاً وطنياً؟ ام علينا ان نسأله اولاً عن معنى "الوطني" علّ ان يكون المعنى قد تغيّر ايضا من ضمن جملة المتغيرات التي طرأت على المفردات السياسية في ظل النظام العالمي الجديد ؟

 

فهو يرى ضرورة ان تتوفر جملة شروط لابد منها لاقامة المشروع الوطني الجامع، اهمها التوافق "على مجموعة قضايا في آن واحد ، استعادة السيادة وإنهاء الاحتلال ، حول طبيعة النظام السياسي وشكل بناء الدولة، طبيعة النظام الاقتصادي الاجتماعي، الموازنة بين محاكمة مجرمي النظام السابق وتحقيق المصالحة الوطنية ، اعادة توزيع نظام السلطة". ويرى " انه في ظل الاوضاع السائدة يصبح النضال من اجل انهاء الاحتلال متلازما مع العمل من اجل الحيلولة دون عودة نظام استبدادي، سواء اكان قومياً  او اسلامياً او تحت اغطية ايديولوجية اخرى".

 

ان كلاماً كبيراً كهذا لاينمّ عن جهل القائل، بل يعبر تعبيراً صريحاً وواضحاً شديد الوضوح عمّ يختلج في صدره ويعتمل في فكره، فهو يدري تماماً ان انهاء الاحتلال وتحقيق السيادة وبناء "العراق الجديد" لايتم تبعاً للرغبات الصادقة ، وهو يشير في مكان آخر من رده الى ان الوقت لصالح قوات الاحتلال، فلما يرى ضرورة اعطائها المزيد من الوقت؟ ولا أظن انه لا يعلم علم اليقين ان ما من مقاومة قامت على  قواعد ومبادىء غير مبدأ وقاعدة مقاومة الاحتلال ومنعه من ان يتمكن من إخضاع كامل مقوّمات الأمة ووضعها تحت رحمته، وكلما ازدادت قوة المقاومة تضعف سلطة الاحتلال ، وان لاشيء أهم من منع قوات الاحتلال من ان تبسط نفوذها العسكري وهيمنتها السياسية.

 

ان من يريد معرفة الى ما يؤدي نمط التفكير هذا وعلى ما يدل، عليه مراجعة نقاشات ومداولات علماء مصر وقياداتها المحلية عندما كانت جيوش نابليون تتوغل في البلاد وتخضع العباد وتستولي على كل المقدرات، العلماء يتداولون في تفاصيل الامور العظيمة وفي كيفية تهدئة روع الناس وطمأنة الاحتلال الى حقيقة اخلاصهم له، بينما الطلائع الحقيقية للشعب، تمارس المقاومة بشتى اشكالها ومستوياتها. ولكن تخلي العلماء والقيادات عن دورهم الطليعي، أفقد تلك الطلائع زخماً كبيراً كانت بحاجة له لترشيد الفعل المقاوم وتأصيله وفي سبيل منع نابليون من تحقيق أغراضه و لتتمكن من سلوك المسالك التي بوسعها ان تطور برنامجها في سبيل إقامة سلطتها الوطنية المتحرر من نير الإستبداد العثماني من جهة، ومن جهة اخرى تكون بمعزل عن التأثيرات السلبية للإحتلال ومخططاته الإخضاعية. و هذا التخلي هو الذي افسح المجال لعودة  نظام إستبدادي أشد وطأة من سابقه، فجمع بين نقمتي الاستبداد والاحتلال .

 

فعسى ان نجد من يتعظ ويستفد من تجاربه ويرفع عن هذه الامة تهمة الغباء والحمق. ويدرك أن أمةً لاتحدّد لنفسها، وبنفسها، أهدافها ومصالحها، ولا تعرف من هم اعداءها واصدقاءها، او انها لم تحددهم بنفسها و بناءً على قرارها الحر والمستقل المعبر عن تلك الأهداف والمصالح، إن امة كتلك لا شك انها مبتلية أشدّ ابتلاء بنخبها الثقافية و طلائعها السياسية، وأنها لن تقوى على النهوض إلاّ بالتخلّص من تلك النخب والطلائع المزعومة التي تنهش بها نهشاً أشدّ وطأة عليها وإيلاماً من نهش أعدائها. 

 

اقول كلمتي هذه موجهة الى السيد رائد فهمي لأن صدره قد يكون أرحب من صدور غيره ، فقد يقبل الرأي الآخر لأنه ما زال ابعد من غيره عن السلطة، اما هؤلاء المشدودة اعناقهم الى أعلى، والمنتفخو الأوداج شغفاً بسلطةٍ تُمنح لهم، وباتوا يتلقون الدروس في كيفية تحسين مواقعهم في السلطة وشطب الآخرين، وفي داخل كل واحد منهم صدام حسين جديد ينمو ويكبر، فاني اربأ بنفسي عن الغلط معهم، فبات على من يتكلم معهم أن يحسن لغة الكلام في حضرة السلاطين، ولن أُحسنها.

   * محمـد نعمة فقـيه

                                                                               كاتب وباحث لبناني

                                                 رئيس تحرير مجلة "البلاد" البيروتية سابقاً

 

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 21 اغسطس, 2009 01:29 ص , من قبل brseifo
من سوريا


صديقي " فيصل عيسى" صباح الخير.

***

الحقيقة أن ليس ثمَّة مثال خارق للعادة على طريقة التفكير "الثيوقراطية" النازيَّة التصفويَة مثلما ورد على لسان السيد نعمة حين يقول: " فعسى أن نجد من يتعظ ويستفد من تجاربه ويرفع عن هذه الأمة تهمة الغباء والحمق. ويدرك أن أمةً لاتحدّد لنفسها، وبنفسها، أهدافها ومصالحها، ولا تعرف من هم أعداءها وأصدقاءها، أو أنها لم تحددهم بنفسها و بناءً على قرارها الحر والمستقل المعبر عن تلك الأهداف والمصالح، إن امة كتلك لا شك أنها مبتلية أشدّ ابتلاء بنخبها الثقافية و طلائعها السياسية، وأنها لن تقوى على النهوض إلاّ بالتخلّص من تلك النخب والطلائع المزعومة التي تنهش بها نهشاً أشدّ وطأة عليها وإيلاماً من نهش أعدائها".

فهو يريد التخلص من كل معارضة لفكره، حتى لو كانت تلك المعارضة له مجرد "نخبة ثقافية" ،فأيهما أهون على الإنسان،النازيَّة القديمة أم الجديدة؟أقول كلاهما واحد،فنحن للأسف الشديد كانت مهمتنا دائماً الإلغاء للآخر بتصفيته فكرياً و جسدياً و هذا ما فعله هتلر دوماً.

هذا يؤكد ما سبق و نوهنا إليه حول ذلك في مقالكم السابق حول مؤتمر فتح.

ببساطة هذا هو عالمنا العربي ،لا أحد بعيد عن الأجندة السياسية ذات التطرف الواضح،بل يستخدم التفخيم في العبارة و المهارة، لو كان فقيهاً في السرد الأدبي و الفكري لأجل الإطاحة بخصمه الإيديولوجي،فأي بذاءة أكثر من هذه أكثر قبحاً؟ .

سوف اكتفي بالقول أنَّ الكاتب العظيم "فيدور دستويفسكي" قد سقط في ذات المطب ،مطب الحذلقة و اللعب بالكلمات بهدف الإيقاع بالعالم العظيم صاحب الهندسة اللاإقليدية "لوباتشيفسكي"،ذلك العالم النادر المثال و الذي لغرض الحذلقة الفكرية قد هاجمه"دستويفسكي" بشراسته الفكرية و الأدبية، و هما سلاحان فتاكين يتقنهما دستويفسكي جيداً ،محاولاً إثبات أنّ ما قد وضعه لوباتشيفسكي من نظرية تخالف مبادئ الهندسة المستوية لإقليدس هو نوع من الزندقة الفكرية، و ضرباً من ضروب الجنون،ولو لم يكن "لوباتشيفسكي" متمكناً من علومه ،و قائداً علمياً فذاً استطاع إنقاذ مدينة "قازان" الروسيَّة التي كان رئيساً لجامعتها آنذاك ، استطاع إنقاذها من وباء الطاعون بإحكام خططه لمكافحة


اضيف في 21 اغسطس, 2009 01:30 ص , من قبل brseifo
من سوريا

تتمة ... ولو لم يكن "لوباتشيفسكي" متمكناً من علومه ،و قائداً علمياً فذاً استطاع إنقاذ مدينة "قازان" الروسيَّة التي كان رئيساً لجامعتها آنذاك ، استطاع إنقاذها من وباء الطاعون بإحكام خططه لمكافحة الوباء بجدارة عالم رياضي فذ،و رغم حذلقات دستويفسكي الغير أخلاقية حينها،فقد بقي دستويفسكي في عالم الرواية بطلاً أسطوريا وصل إلى مرتبة الأنبياء ،كذلك ظلَّ "لوباتشيفسكي" ذلك العالم الفذ الذي تمكن بكل جدارة من حسم جدل علمي استمر خمسا و عشرين قرنا من الزمن حول فك طلاسم المسلمة الخامسة لإقليدس العظيم ،و هو الأمر الذي التبس على المهندس المعمار دستويفسكي فهمه و استيعابه،مع ذلك لم يفكر أي منهما بإلغاء الآخر و تصفيَّته جسدياً كما تفعل "ثيوقراطياتنا" و "بيروقراطياتنا" العظيمة في الانتفاخ البخسة في الوضع والمناخ.
شاطرين إحنا شاطرين ،خصوصاً لو كنا راديكاليين.

تحياتي صديقي" فيصل" رغم انَّ الموضوعيَّة كانت تقتضي نشر المقالين معاً، و ليس نقداً لمقال غير معروض أمامنا للقراءة، فهل لكم في ذلك مأرباً؟أتمنى أن لا يكون.

أخوكم : برهان محمَّد سيفو.

***




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.