التفاهات المتناقضة في آراء أدونيس المتهافتة حول الإسلام والوجود بقلم: د. محمد نعمة فقيه* يعبّر أدونيس عن "كَوْمَة" متناقضة ومتنافرة من الشخوص الملفوظين، أو الذين لفظوا أنفسهم من الحراك الطبيعي والمنطقي للفكر العربي المعاصر، فتكوّموا ركاماً متهالكاً غير منسجم وتفوح منه روائح متعددة المصادر وإن كان يجمع فيما بينها أنها روائح نافرة ومقزّزة تبعث على الغثيان لمن يقترب منها. هذه "الكَوْمة" من الشخوص التي يتربّع أدونيس على سدّة عرشها، لا تختلف في شكلها وتكوينها عن شاكلاتها من "الأكوام" البشرية التي تتقيؤها مختلف المجتمعات البشرية في مراحلها المختلفة، لاسيما في مراحل كبوتها وهزيمتها، فهم بدل أن ينخرطوا في معركة الدفاع عن المجتمع والعمل على تحصينه واستعادة عافيته، يسعون إلى النّأي بأنفسهم بعيداً عن المجتمع ليعلنوا براءتهم منه حتى لا تلفحهم، حسبما يعتقدون، رياح الهزيمة، بينما الإنهزام يكون قد نخر عظامهم وحولهم جيفاً يفوح منها العفن. وإن كان لأدونيس وغيره مطلق الحق في اجتراع الآراء والأفكار التي يعتبرونها إبداعية وخلاّقة في مختلف نواحي الثقافة والأدب، فينسجون على النّوْل الذي يرتؤونه مناسباً ومنسجماً مع ذواتهم، فيدّعي أحدهم تربّعه على عرش الكلمة يلوكها ويعيد تشكيلها حسبما يشاء، إلاّ أن ذلك لا يمنحه الحق، لا هو ولا غيره، أن يلوك حضارة شعب يقاوم للمحافظة على هويته ويدّعي لنفسه موقعاً رائداً في الفكر الإسلامي في اللحظة التي يعلن فيها كفره وإلحاده وعدم إيمانه بما جاء به الإسلام من مفاهيم عقدية. ليس لنا أن نناقشه في إيمانه، فالإيمان مسألة شخصية بالمطلق، فنحن كمسلمين نؤمن بلا ريبٍ ولا شك في حرية الاعتقاد، حرية الإيمان وحرية الكفر، فلا إكراه في الدين، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ويا أيها الكافرون لا أؤمن بما تؤمنون ولا أنتم آمنون بما أؤمن، لكم دينكم ولي دين..، فالإسلام على الرغم من عالميته وشموليته باعتباره دين دعوة وليس دين جماعة أو قوم من الأقوام، يضمن الحرية الدينية والمعتقدية بما في ذلك حرية الكفر والإلحاد. ولكن ما يستفز العقل هو أن يتنطّح من يعلن كفره ويتناول مسائل في الدين الإسلامي يدّعي أنها غير سوية ويجب تطويرها أو أنها أقْحمت على الإسلام من خارجه، ويجب تطهير الإسلام منها، واسماً نفسه سمة العالم الفقيه الحريص على الإسلام في الوقت نفسه الذي يعلن فيه كفره. إحدى المحطات الفضائية في لبنان، والمعروفة بأنها "كباريه العرب"، والتي تروّج شذّاذ الآفاق وكلّ ما هو فاحش ومشين في مجتمعاتنا، وتعمل ضمن خطة مدروسة وممنهجة لنشر الأفكار الشاذّة وتسطيح الوعي والثقافة، منحته مساحة واسعة في أحد برامجها للنيل من المعطى الحضاري والثقافي لمجتمعنا، وهو المعطى الذي يرتكز عليه الجهد المقاوم لأمتنا، فيُحطّ من قيمة الاستشهاد ويعلن بأنه لا يؤمن بالحياة بعد الموت، فلا بعث ولا جنّة ولا نار! يسترسل أدونيس، والبرنامج يعطيه المزيد من الفرص للإسترسال، فيقدّم فهماً سوريالياً للوجود والخلق والمعتقدات الدينية عند الشعوب، لا ندّعي بأنه هو أوّل من نحى هذا المنحى في النظر إلى المعتقدات الدينية، ولكنه أوّل سوريالي ينصّب نفسه عالماً فقيهاً متبصّراً بأمور الدين ويسعى إلى "إصلاحه وتنقيته من الشوائب"! وإذا كانت المعتقدات الدينية تنبني في غالبيتها على الإيمان بالغيب والعلاقة الروحية الخاصة الموجودة فيما بين المؤمن وما يؤمن به، وبالتالي فأن مَن يعجز عن الولوج في العالم الذي يحياه المؤمن المتفكّر، له ملء الحرية في التعبير عن عجزه في دخول عالم الإيمان، ويقول ما يقوله في هذا المجال، كأن يدّعي أن الإيمان بالبعث وبالحياة ما بعد الموت محض خيال، ولكن ليس له الحق أبداً في تحويل الوقائع التاريخية إلى خيال ومتخيلات يرويها كيفما جمح خياله وجنّ جنونه في التوليف وابتداع الروايات اعتماداً على المخيلة. خاصة إذا كانت هذه الوقائع التاريخية على صلة بحياة وسيرة رجل يؤمن زهاء مليار ونصف مليار مسلم بأنه النبي المرسل من الله سبحانه وتعالى للدعوة إلى صلاح الإنسان، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. فقد كان سابعة الأثافي هو ما أفاضت به عبقرية أدونيس، والقول بأنه أنهى كتابة سيرة النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لم يعتمد فيها على الروايات التاريخية، وإنّما على "المخيلة" والإبداع في التعبير عبر تحويل الوقائع الشائعة إلى عمل فنّي يتجاوز المحظورات والطواطم في الفكر الديني! ويقول بأن هذا الكتاب يتمتع بجمالية خاصة يحلم بنشره ذات يوم! ليس أدونيس أوّل من ولج في لعبة التشويش على السيرة النبوية الشريفة، ولا هو أوّل من رفع قلمه في محاربة الإسلام تحت مظلة الإبداع الفكري والفني وحرية الرأي والتعبير، وما من شيء يشير إلى أنه سيكون آخرهم، ولكن من المؤكد هو أن الذي رفع، قبل عقد ونصف من الزمن، راية ضرورة التطبيع مع العدو الصهيوني والاعتراف بحق اليهود في دولتهم على أرض فلسطين، لن يكون غريباً عليه أن يكون جزءاً من الآلة الدعائية الصهيونية الهادفة إلى زعزعة الإيمان لدى المسلمين، وهي الآلة نفسها التي عملت خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين على زعزعة الإيمان لدى المسيحيين في أوروبا وحوّلتهم إلى أشلاء جوفاء بلا قيم روحية. ومما يؤكّد أيضاً على أن أدونيس أصبح جزءاً من الآلة الدعائية الصهيونية، هو إصراره في المقابلة نفسها على إثارة الفتن فيما بين المسلمين والمسيحيين عبر ادعائه المغلوط، والذي يصل إلى حدود الكذب والإفتراء، بأن الدين الإسلامي لا يعترف بالدين المسيحي، وإن الإسلام نفى المسيحية بالمطلق! وهو ينطلق من رؤيته المغلوطة هذه للقول بأن الكلام حول حوار الأديان مجرّد دجل وعملية تكاذب بين ممتهنين للعب على الكلام، فكلا الطرفين لا يعترف أحدهما بالآخر! وطبعاً، في حال سؤال أدونيس عن أسباب وصوله إلى هذه الاستنتاجات وما هي المراجع التي يعتمدها فيها، سيقول أنها تخيّلات وتهيّؤات وإبداعات المخيلة الواسعة التي يتمتّع بها كمفكر كبير حوّلته الصهيونية إلى مفكر عالمي منذ تولّيه قيادة الحملة للتطبيع مع العدو في "الإعلان" المشؤوم الذي وقعه مع عدد من أضرابه المهووسين في التفرّد والسّاعين إلى النأي بأنفسهم عن المجتمع الذي يقولون بأنه متخلّف، وهو لم يتخلّف ولم ينهزم إلاّ بسبب وجود أمثالهم منذ طه حسين وعلي عبد الرازق وغيرهم الكثيرين ممّن يبحثون عن المجد على مزابل التاريخ. *باحث ومفكر سياسي لبناني- رئيس تحرير مجلة "البلاد" البيروتية سابقاً
.
.
الخميس, 13 اغسطس, 2009
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








