تجاذبات
وجها لوجه مع الحقائق المتناقضة
.
.

أكاذيب إسلامية حول السلطنة العثمانية

 
 
 

 

أكاذيب اسلامية

حول السلطنة العثمانية(1)

بقلم الدكتور/ محمد نعمة فقيه

 

يسود عدد من الشائعات الكاذبة حول السلطنة العثمانية لدى عوام الناس في مجتمعاتنا العربية يتمّ البناء عليها لاستخلاص نتائج سياسية أو فكرية أو لبناء مواقف سياسية راهنة عليها. وبقاء هذه الاشاعات لدى العوام وعلى مستواهم لايحمل ضرراً فكرياً أو سياسياً يُذكر، ولكن الاعتماد على شيوعها لاستخدامها كمسلّمات تاريخية، واستخدامها ركيزة للتحليل السياسي لدى المثقفين وحتى لدى مراكز القرار الثقافي والسياسي في عددٍ من الحركات السياسية والدينية، أصبح يشكل خطراً مفهومياً يشوّش على حقيقة وطبيعة السلطنة العثمانية، واستمراره قد يؤدي إلى إضعاف القدرة على فهم السلطنة وأسباب انهيارها للحد الذي يسهم في تحميل الإسلام كدين وثقافة ونظام حكم مسؤولية هذا الإنهيار، وحتماً مسؤولية كل التخلف والإستبداد الذي مارسته السلطنة العثمانية طوال قرون استبدادها بمصائر الشعوب التي حكمتها.

وهذه الأكاذيب ليست من صنع الاستعمار وأدواته، كما اعتدنا دائماً وضع المسؤولية عليه لدى مناقشة أي من القضايا التي نعتبرها مسيئة لنا أو تحمل تزييفاً أو تحريفاً لتاريخنا، بل هي أكاذيب من صنع أفراد أو مؤسسات دينية إسلامية حاولت أن تسبغ على حاضر السلطنة العثمانية صفات ليست فيه، فألبسته ثوب الطهر والبراءة والتديّن في زمن عزّ فيه وجود مثل هذه الصفات في أي من القوى والقيادات الموجودة في الواقع المُعاش. فزيّفت عن قصد وقائع تاريخية لتستخدمها في تجييش عواطف الجمهور وحشده للدفاع عن مستعبديه والموت في سبيلهم.

كان أن تلقف هذا الجمهور تلك الأكاذيب، فانتشرت انتشار اللهب في الهشيم في أوساط العامة على قاعدة "من قلّة الرجال سمّينا الديك أبو علي"، ولكن الديك لا يمكن أن يكون أبا عليّاً، ولا يمكن أن يقتنع أحدٌ بصفته هذه، أمّا ما أشيع من شائعات كاذبة حول السلطنة العثمانية، وجدت عامة الناس فيها ضالّتها ومعيناً لها على رفع معنوياتها ومتابعة التمجيد للماضي الذي كان شديد الإيلام وأبعد ما يكون عن جوهر الإسلام ومبادئ الإسلام، أكان في نظام الحكم، أو ان كان في منهج سياسة الدولة ورعايتها لشؤون المواطنين من أبناء الأمة.

ومن أشهر هذه الأكاذيب:

-       الادعاء بأن السلطنة العثمانية كانت تقيم نظاماً اسلامياً أو أنها كانت تذود عن حياض المسلمين وتعمل على نشر الإسلام في أوروبا أو أنها كانت تحارب في اوروبا باسم الإسلام.

-       الادّعاء بأن السلطان محمد الثاني المعروف باسم "محمد الفاتح" هو من العشرة المبشّرين بالجنة لأنه فتح القسطنطينية، والقول بأنه فتح القسطنطينية في سبيل رفعة الإسلام والمسلمين.

-       الادعّاء بأن السلاطين العثمانيين منذ السلطان سليم الأول الذي أسر آخر الخلفاء العباسيين في القاهرة وأخذه مخفوراً إلى الأستانة، بأنهم خلفاء المسلمين وبأن آخر الخلفاء العباسيين الصوريين في القاهرة قد تنازل له عن الخلافة.

-       الادّعاء بأن السلطان عبد الحميد الثاني وقف ضد هجرة اليهود إلى فلسطين والاستيطان فيها.

أنا هنا لا أسعى إلى تصحيح ما هو شائع فقط في سبيل تصحيح معلومة تاريخية رغبة ببقاء التاريخ نقياً من التزييف والتحريف، بل رغبة في وضع الأمور في نصابها ولعدم تحميل الإسلام مسؤولية السياسة التي انتهجتها تلك السلطنة وكل سلاطينها طوال فترة سيادتها على العالم في التاريخ الوسيط، وحتى في مرحلة دخولها الموضوعي والبنيوي حالة التراجع والأفول. فالإسلام براء بكل ما في الكلمة من معنى من تلك السلطة الجائرة الاستبدادية التي دفعت بالمجتمعات الاسلامية نحو التجمّد والتخلف وصولاً إلى وقوعها جيفة بلا حراك تحت رحمة المستعمرين الأوروبيين، حتى خلال الزمن الذي كانت تبسط سيادتها على أرجاء واسعة من القارة الأوروبية.

فهل يمكن تحميل نظام الحكم الاسلامي مسؤولية الكوارث التي أصابت الأمة من جراء الحكم العثماني؟

هل يعني لو أعاد المسلمون الإسلام إلى السلطة السياسية ستكون الأمور على ما كانت عليه في ظل بني عثمان حيث يسود الاستبداد وتُرتكب الموبقات والجرائم باسم الدين؟

سنحاول فيما يلي الرد على هذه الأكاذيب وتبرئة الإسلام مما نُسِب إليه، أكان ما نُسب إليه عن نيّة حسنة، أو ان كان عن سوء نيّة، ولكن في الحالتين يبني المعادون للإسلام على ذلك تحليلهم وقولهم بعدم صلاحية الإسلام للحكم وإقامة الدولة.

أولاً: حول طبيعة السلطنة العثمانية وعدم تمثيلها لنظام الحكم في الإسلام:

قام نظام الحكم العثماني على التقاليد التركية الوثنية القديمة، تقاليدهم في آسيا الوسطى، أي قبل معرفتهم بالاسلام. واتخذوا شعاراً لهم ولدولتهم هو الهلال، أي الشعار نفسه الذي كان يتخذه أسلافهم الوثنيون في آسيا الوسطى باعتبار أن إله الترك "كوك تنكري" يتّخذ منه مقرّاً لمراقبة أتباعه. فيشد في إزر الأقوياء الأشدّاء ويرذل الضعفاء المتخاذلين. وهذا "الإله" ليس رباً للعالمين، بل هو إلهاً خاصاً للأتراك.[i]

بالإضافة إلى اتخاذهم الهلال شعاراً لهم كمظهر من مظاهر ارتباطهم بتقاليدهم الوثنية، فالسلطان العثماني حافظ أيضاً على ارتباط شرعيته بكونه "خاقاناً"، والخاقان هو اللقب المؤلّه المقدّس باعتباره سليل أسرة مقدّسة، وهو ليس إلهاً تاماً، ولكنه "شبيه إله"، والخاقانية تتوارث من الأب إلى الابن وعلى الأغلب الابن الأكبر، وإن خرج على السلطان أحد الأمراء من السلالة المقدّسة نفسها وتغلّب عليه بالقوة، وجب على جموع الأتراك موالاة المنتصر لأنه يمثّل إرادة الإله "كوك تنكري" الذي يدعم الأقوياء وينصرهم. أي أن هذا الانتصار يمثل بذاته إرادة "إلهية".

ولذلك فالسلطان التركي لا يُصدر قراراً أو أمراً سلطانياً، بل يصدر "فرمان"، والفرمان يعني إرادة، والإرادة السلطانية تكون نتيجة إلهام إلهي، فلذا لا تكون الإرادة السلطانية قابلة للنقاش وتعتبر مناقشتها مخالفة للإله.[ii]

ولأن إله الأتراك الوثنيين يمجّد الأقوياء، فقد قام الاجتماع التركي بأسره على الغزو، والغزو العنيف بشكل خاص، وأحياناً كثيرة على الغزو بهدف الغزو، فبالغزو والقتل الشنيع لأعدائهم، والنّهب العبثي الذي لا يهدف إلى تراكم الثروات حيث كانوا غالباً ما يبددوا المنهوبات، كانوا يعبروا عن شكرهم لإلههم الذي يمدّهم بالقوّة والنّصرة على أعدائهم.

ولهذا، فقد كان أفضل الألقاب وأعلاها مرتبة وشأناً في السلطنة العثمانية، هو لقب "السلطان الغازي" الذي يلازم أسماء كل سلاطين بني عثمان، وكان هذا اللقب دون غيره من الألقاب يُنقش على الخائم السلطاني وعلى الصكوك النقدية. وبالتالي، فهم حين كانوا يقومون بالغزو، فهم يمارسون عاداتهم وتقاليدهم التي يقوم اجتماعهم عليها، وليس في سبيل نشر الإسلام والمبادئ الإسلامية، لا من حيث رفع الجزية عمّن يعتنق الإسلام ممّن دخل من شعوب تحت سلطتهم، ولا من حيث اتباع التقاليد والمبادئ الإسلامية في حكم الشعوب وتدبير أمورها، بل كان القتل والنهب وتدمير الثروات والمحاصيل وهتك الأعراض أكثر الممارسات التي يتفنّن الغازي التركي بالقيام بها باعتبارها التعبير الصريح عن النصرالذي أمدّه به الإله كوك تنكري.

ولأن التركي يعتبر أن إلهه خاصاً به وليس رباً للعالمين، لم يكن يهتم بنشر دينه وثقافته ومبادئه بين الشعوب والأقوام التي تخضع له، وهو لم يتّخذ موقفاً سلبياً أو إيجابياً تجاه لغات أو أديان أو ثقافات أو أعراف وعادات الأقوام الأجنبية، ولذلك فهم لا يحاولون إجبار الأقوام الأخرى على تعلّم دينهم ولغتهم. ولكن من الثابت أنهم خلال القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين بدؤوا في تبنّي أديان الأقوام التي سبق أن أخضعوها، وذلك دون أن يتخلّوا عن عاداتهم وتقاليدهم ومبادئهم الأساسية في الحياة.

فقد اعتنق الأتراك السلاجقة في بلاد فارس والهضبة الإيرانية والأناضول الدين الإسلامي خلال القرن العاشر، بينما اعتنق الأتراك البلغار في ظل الامبراطورية البيزنطية للدين المسيحي على الإيمان الأرثوذوكسي في القرن نفسه، حيث سيشكل الأتراك البلغار القوّة الضاربة في الجيش البيزنطي ويجتاح البيزنطيون بهم بلاد الشام وشمالي العراق على عدة موجات في النصف الأول من القرن العاشر، وهي الموجات التي تصدّت لها الدولة الحمدانية وأجبرتهم على التراجع بعدما أعملوه من قتل وحرق ونهب وتدمير في المدن والقرى التي غزوها. (تمّ أسر الأمير الحمداني الشاعر أبو فراس في إحدى تلك المواجهات).

ثم تبعهم في القرن الحادي عشر الأتراك الذين سيؤسسون فيما بعد السلالة العثمانية فتبنّوا الدين الإسلامي، بينما اعتنق الأتراك الهون في سهل الدانوب الدين المسيحي على الإيمان الكاثوليكي واستمدّوا شرعيتهم من أسقف روما (بابا الفاتيكان) الذي كان يخوض حرباً مصيرية مع الامبراطورية البيزنطية، فحصل الأتراك الهون بذلك على شرعية غزواتهم على ممتلكات البيزنطيين.[iii]

وباتخاذ القبائل التركية المختلفة لانتماءات دينية مختلفة خلال الفترة الزمنية نفسها تقريباً، تشكّلت عصبيات تركية جديدة في الأناضول وتراقيا وسهل الدانوب، بقيت في حقيقتها وجوهرها قائمة على الانتماء القبلي والعشائري على التقاليد التركية القديمة والأصيلة في تركيبة الاجتماع التركي، إنّما تغلّفت بغلاف التمايز الديني.

ففي الوقت الذي تغلّفت عصبية قبائل "الغزّ" التي ينتمي إليها كلّ من السلاجقة والعثمانيين، بغلاف الدين الإسلامي تستمدّ شرعية غزواتها من علاقة إسمية واهية مع الخلافة الاسلامية في بغداد ثم في القاهرة، تشكّلت عصبية الأتراك البلغار على قاعدة الدفاع عن الكنيسة الأرثوذوكسية البيزنطية والتاج الأمبراطوري الذي أدخل شعار الأتراك الوثنيين (الهلال) كجزء من شعار البحرية البيزنطية، حيث كان هذا الهلال يتوسط درع هذه البحرية، ثم ستتشكل عصبية الأتراك الهون في سهل الدانوب (الفلاخ والبغدان والكورج) التي ستصبح فيما بعد المجر ورومانيا وجورجيا، على قاعدة الدفاع عن الكنيسة العالمية (الكاثوليكية) التي يمثلها أسقف روما في انشقاقه على الامبراطور البيزنطي.

تؤكد هذه الوقائع أن الصراع الذي كان قائماً في الأناضول منذ القرن الحادي عشر، وخصوصاً منذ معركة "ملاذ كرت" عام 1071م.، هو نفسه الصراع الذي كان قائماً في آسيا الوسطى، الموطن الأصلي لقبائل الغزاة الأتراك، وهو صراع على الخاقانية العليا لهذه القبائل حيث أن استقرار "الخاقانية"، حسب التقاليد التركية القديمة، لقبيلة من القبائل، يعني انتزاعها من القبائل الأخرى وضرورة انصياع الآخرين لسلطة ومشيئة "الخاقان" المستقرة السلطة بيده واعتبار إرادته إرادة إلهية غير قابلة للنقاش، كما مرّ بنا سابقاً.

تندرج ضمن هذا التصنيف الصراعات الدموية الحادّة اتي سوف يشهدها الأناضول وأذربيجان والهضبة الإيرانية في فترات لاحقة، والتي تفجّرت في الربع الأخير من القرن الخامس عشر في عهد السلطان العثماني محمد الثاني، (محمد الفاتح)، واستمرّت لقرون فيما بعد، وهو الصراع الذي سيُعرف باسم الصراع العثماني – الصفوي.

تعود جذور الصراع العثماني – الصفوي إلى الاعتراضات التي أبدتها الارستقراطية العسكرية التركية على سياسات محمد الفاتح الذي سعى إلى بناء دولة "مافوق دينية" بعد فتح القسطنطينية، فجعل من نفسه سلطة فوق كل السلطات الدينية من خلال إقامة مؤسستين دينيتين في الدولة: مؤسسة إسلامية تحت إدارة موظف يحمل اسم "شيخ الإسلام"، ومؤسسة مسيحية تحت إدارة "بطريرك القسطنطينية" الذي كان يعينه السلطان بموجب "الحق الذي منحه اياه الروح القدس".

نجم عن هذه السياسات ان منح السلطان الحماية السلطانية للرعايا المسيحيين، ممّا أدّى إلى حرمان الأرستقراطية العسكرية التركية من ممارسة تقاليدها في الغزو والنهب لخارج يُفترض أنه كان مباحاً لها، فاعتبرت إجراءات محمد الفاتح خروجاً على التقاليد التركية الأصلية، فأعلنت العصيان والتمرّد وطالبت بعزله ونادت بزعيم وقائد لها هو التركي "أوزون حسن" الذي اتخذ لنفسه لقب سلطان حيث تمكن خلال فترة قصيرة من إخضاع شرقي الأناضول والتجهيز لاقتحام الأستانة، وعندما ردّته جيوش السلطان محمد الفاتح عن غايته، اتجه شرقاً وأخذ بتوسيع رقعة البلاد التي يسيطر عليها حتى شملت إضافة إلى شرقي الأناضول أذربيجان والهضبة الإيرانية ومعظم بلاد فارس.

حين توفى السلطان أوزون حسن عام 1489م.، لم  يكن له وريث ذكر، فتصارع على وراثته أبناء بناته الثلاثة، وذلك جرياً على التقاليد التركية التي تقول بأن "مَن مَلَك الشوكة وَجَبَتْ له الطاعة"، وهي القاعدة التي كان قد أدخلها الأتراك إلى صميم الممارسة السياسية في دولة بني العباس منذ انتشار بدعة "ولاية الاستيلاء"، وهي البدعة الفقهية التي شرعنت سيطرة البويهيين وثم السلاجقة على دولة الخلافة وتمزيقها بين دويلات وإمارات متناحرة فيما بينها.  

كان من بين أبناء بنات السلطان أوزون حسن المتنازعين على وراثته، اسماعيل بن حيدر بن صفي الدين الذي سينتصر على أبناء خالاته، فقتل بعضهم وأخضع بعضهم الآخر لسلطته، وسيُعرف فيما بعد باسم الشاه اسماعيل الصفوي. وهو الذي سيواصل سيرة جدّه اوزون حسن في توسيع رقعة سلطنته التي ستكون مع نهاية القرن الخامس عشر مترامية الأطراف ومتماسكة حيث وفّر لها كل مستلزمات القوة والمنعة، مستفيداً من التراث الفارسي في الإدارة والحكم حيث نظم شؤون الدولة والدواوين فيها لتكون دولة ذات مؤسسات وتنظيمات تُضاهي الأمم الكبرى في ذاك العصر.

وكان المؤرخ الشهير وول ديورانت قد وصف قيام سلطنة أوزون حسن شرقي الأناضول وبلاد فارس بأنها التعبير عن الانقسام في "العالم التركي" الذي بدأ في "قمّة" الزهو التركي بعد الاستيلاء على القسطنطينية. وكان يمكن لهذا الانقسام أن يكون صراعاً خامداً بين الفريقين لو لم تقف التطورات الدولية حائلاً دون تحقيق طموحات ورثة الفريقين، حفيد محمد الثاني السلطان سليم الأول، وحفيد أوزون حسن الشاه اسماعيل الصفوي.

فقد كان لتطور البحرية الأوروبية الحاسم في الصراع بين العثمانيين والاوروبيين، حيث سيطرت هذه البحرية على الملاحة في البحر الأبيض، وحققت الإنجاز التاريخي في الوصول إلى الشرق عبر الإلتفاف حول أفريقيا وأصبحت تمخر عباب المحيط الهندي، أن شكّل حائلاً دون تحقيق السلطان سليم لطموحاته في الغزو والتوسع غرباً في أوروبا، وكذلك كان الأمر بالنسبة للشاه اسماعيل حيث شكّل قيام امبراطورية المغول الإسلامية في بلاد الهند والسند حائلاً دون مواصلة توسعه شرقاً.

نقطة الفراغ الاستراتيجي كانت في تلك الفترة هي العراق وبلاد الشام حيث كانت تقوم سلطنة المماليك في القاهرة والتي تعاني من ضعف بنيوي بسبب الصراعات الداخلية وعدم استقرار عملية انتاج السلطة وإعادة انتاجها، إضافة لوجود عدد من الكيانات السياسية المحلية في العراقين العربي والعجمي تتقاذفها صراعات قبلية وشعوبية. وكان من الممكن استمرار محافظة هذه الكيانات والسلطنة المملوكية على استقلالها ووجودها بفعل توازن القوتين الجارتين الجبّارتين: العثمانيون والصفويون، لو حافظت هذه القوى على حيادها فيما بين تلك القوتين، إلاّ أن لجوء السلطان المملوكي إلى عقد تحالف مع الشاه اسماعيل كان واضحاً أنه موجه ضد العثمانيين، فجّر الصراع دموياً بين الطرفين بشكل خاص منذ معركة جالديران عام 1514 م. واستمرّ طوال قرنين حيث تهالكت قوى الطرفين، وأحكمت القوى الاستعمارية الناشئة في الغرب قبضتها على السلطنة العثمانية وعلى بلاد فارس بعدما تحوّلت السلطة فيها من الأسرة الصفوية إلى الأسرة الزنيدية عام 1750م. ومن ثم إلى الأسرة القاجارية عام 1796م..

 
الجزء الثاني من هذه الدراسة يُنشر لاحقاً هنا بإذن الله

[i]- يلماز أوزتونا، "تاريخ الدولة العثمانية"، منشورات مؤسسة فيصل للتمويل، اسطنبول، تركيا، 1988، المجلد الأول، ص 17

[ii]- المصدر نفسه، ص. 20- 22

[iii]- المصدر نفسه، ص. 20

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 05 اغسطس, 2009 11:39 م , من قبل omarmelhem
من لبنان


تحياتي الحارة أستاذي الفاضل
أعتقد انها مسألة في غاية الأهمية هي عدم الانجرار في الكلام عن امجار الدولة العثمانية والقول انها دولة اسلامية لأننا نكون بذلك نقدم أكبر عون لأعداء الإسلام في تحميل الاسلام أوزار الجرائم التي لاعلاقة لها بالاسلام التي ارتكبها العثمانيون.

شكرا جزيلا على نشر هذا المقال الهام وأرجو نشر الجزء او الأجزاء الأخرى.

عمر


اضيف في 11 اغسطس, 2009 08:46 ص , من قبل manarakel


الأستاذ العزيز شاكر،

كم نحن بحاجة فعلية وضرورية لنفض عقولنا وتخليصها من الترسبات السامة التي تعشعش بها ونتعاطى معها كمسلّمات وحقائق غير قابلة للنقاش.

أشكرك على نشر هذا الموضوع الذي يسهم بتحريك الجمود فينا ويدفعنا للتفكّر والتفكير الجاد في البحث عن مستقبل لأمتنا مبني على معرفة صحيحة لحقائق الأمور.

دمت بكل خير

منار




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.